{يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [هود: 8486] .
ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما عنده ، ولكنه لا يلتفت إلى ماهو مدخور .
ولذلك قال شعيب عليه السلام:
{ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ} [هود: 85] .
فأنت إن نظرت إلى شيء قد ذهب ، فامتلك القدرة على أن تحقق فيه بالفهم ، لتجده مدخراً لك باقياً .
ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما سألها عن شاة أُهديت له ، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة كتفها ، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءاً من كتفها ، فلمَّا سألها: ما فعلت بالشاةّ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها .
هكذا نظرت عائشة رضي الله عنها هذا المنظور الواقعي ؛ بأن الباقي من الشاة هو كتفها فقط ، وأنها تصدقت بباقي الشاة ، ويلفتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين ، ويقول لها:"بقى كلها إلا كتفها".
هكذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير .
ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم:"وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت".
ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور ، وإلى المدخور ، فيقول الحق سبحانه:
{المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} [الكهف: 46] .
ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله:
{ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46] .