وَأَيْضًا فَهُمْ قَدْ غَيَّرُوا الْمَعَانِيَ وَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا ، وَأَزَالُوهَا إلَى مَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ دُونَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ كُتُبُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُمْ غَيْرُ دَائِنِينَ دِينَ الْحَقِّ.
قَوْله تَعَالَى: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْكُفَّارِ هُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} فَلَوْ كَانَ الْمَجُوسُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ ، وَقَدْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ طَائِفَتَانِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَيْضًا فِي حُكْمِ الصَّابِئِينَ ، وَهَلْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ أَمْ لَا ، وَهُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: بِنَوَاحِي كَسْكَرَ وَالْبَطَائِحَ ، وَهُمْ فِيمَا بَلَغْنَا صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى ، وَإِنْ كَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ دِيَانَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى فِرَقٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ الْمَرْقُونِيَّةُ والْآرْيُوسِيَّةُ ، وَالْمَارُونِيَّةُ ، وَالْفِرَقُ الثَّلَاثُ مِنْ النَّسْطُورِيَّةِ وَالْمَلْكِيَّةِ ، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ
يَبْرَءُونَ مِنْهُمْ ، وَيُحَرِّمُونَهُمْ ، وَهُمْ يَنْتَمُونَ إلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، وَشِيثٌ ، وَيَنْتَحِلُونَ كُتُبًا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا كُتُبُ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى شِيثِ بْنِ آدَمَ ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، ، وَالنَّصَارَى تُسَمِّيهِمْ يُوحَنَّاسِيَّةَ ؛ فَهَذِهِ الْفِرْقَةُ يَجْعَلُهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَيُبِيحُ أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ ، وَمُنَاكَحَةَ نِسَائِهِمْ.