وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَنْسُوخٌ.
عَنِ الضَّحَّاكِ:" {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} نَسَخَتْهَا: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَسْخَ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} قَوْلَهُ: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ}
عَنْ قَتَادَةَ:" {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} "
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْسُوخٍ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ هُوَ نَفْي حُكْمٍ قَدْ كَانَ ثَبَتَ بِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَلَمْ تَصِحَّ حُجَّةٌ بِوُجُوبِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمُشْرِكِينَ بِالْقَتْلِ بِكُلِّ حَالٍ ثُمَّ نَسَخَهُ بِتَرْكِ قَتْلِهِمْ عَلَى أَخْذِ الْفِدَاءِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْفِدَاءُ وَالْمَنُّ وَالْقَتْلُ لَمْ يَزَلْ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ مِنْ أَوَّلِ حَرْبٍ حَارَبَهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ لِلْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ وَاحْصُرُوهُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ صَحَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 11/}