وَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ: قِيلَ لِهَذِهِ الْأَشْهُرِ: الْحُرُمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَرْضَ لَهُمْ إِلَّا بِسَبِيلِ خَيْرٍ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"ضُرِبَ لَهُمْ أَجَلٌ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، ثُمَّ أَمَرَ إِذَا انْسَلَخَتْ تِلْكَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} لَا تَتْرُكُوهُمْ يَضْرِبُونَ فِي الْبِلَادِ، وَلَا يَخْرُجُونَ لِلتِّجَارَةِ، ضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ، بَعْدَهَا أَمَرَ بِالْعَفْوِ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَإِنِ اسْتَأْمَنَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَحَدٌ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْكَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ {فَأَجِرْهُ}
يَقُولُ: فَأَمِّنْهُ {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وَتَتْلُوهُ عَلَيْهِ.
{ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}
يَقُولُ: ثُمَّ رُدَّهُ بَعْدَ سَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ إِنْ هُوَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَلَمْ يَتَّعِظْ لِمَا تَلَوْتَهُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَيُؤْمِنَ، إِلَى مَأْمَنِهِ، يَقُولُ: إِلَى حَيْثُ يَأْمَنُ مِنْكَ وَمِمَّنْ فِي طَاعَتِكَ حَتَّى يَلْحَقَ بِدَارِهِ وَقَوْمِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ: تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ إِعْطَائِكَ إِيَّاهُمُ الْأَمَانَ، لِيَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، وَرَدِّكَ إِيَّاهُمْ إِذَا أَبَوْا الْإِسْلَامَ إِلَى مَأْمَنِهِمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا يَفْقَهُونَ عَنِ اللَّهِ حُجَّةً وَلَا يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ لَوْ آمَنُوا وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْوِزْرِ وَالْإِثْمِ بِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ.