(لمسكم) أي لحل بكم (فيما) أي لأجل ما (أخذتم) من الفداء (عذاب عظيم) وهذا عتاب له صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء وليس عتاباً على فعل محرم تنزيهاً لمنصب النبوة عن ذلك.
وقد أخرج أحمد عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال:"إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الفه عليه وآله وسلم ثم عاد فقال: مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال: نرى أن تعفو عنهم وإن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل الله ولولا كتاب من الله سبق) الآية"، وفي الباب روايات كثيرة بطرق عديدة بألفاظ مختلفة .
وفي بعضها عند أحمد والترمذي وحسنه عن ابن مسعود فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: (من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) الحديث .
روي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزل
(فكلوا) فالفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا (مما غنمتم) أو المعنى اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره، وقيل أن"ما"عبارة عن الفداء أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم أكلاً، ويأباه سياق النظم الكريم وسباقه.