فحيثما كان المؤمن فهو في ولالة المؤمنين مهما تختلف الديار، وتتباعد الأقطار، ولذلك إذا استنصر المؤمن؛ أي طلب النصر - وجبت نصرته، فالسين والتاء للطلب أي طلب النصرة، في دفع عدوٍّ دَاهِم، أو في حرب عادلة؛ ولذا قال تعالى: (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) والاستجابة لطلبه، وقد استثنى الله حالا واحدة، وهي أن يكون ثمة ميثاق، أي عقد موثق بمواثيق الله تعالى، وميثاق وزن مفعال من (وثق) ، فأصله (مِوْثاق) قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، والمعنى عليكم النصر، أي فإن دعوكم فعليكم الإجابة إلا أن يكون النصر الذي تنصرونهم فيه يكون على قوم بينكم وبينهم ميثاق، أي لَا تنصروهم على قوم لهم ميثاق، ولكن يجب أن تدفعوا عنهم كل من يعتدى عليهم، ولو كان بينكم وبينهم ميثاق، لأنهم ينقضون الميثاق بمجرد أن يعتدوا على مؤمنين، فلا عهد مع الاعتداء على أهل الإيمان.
وإذا كان في المؤمنين غير المهاجرين ضعف، واستضعفهم أعداء الإسلام أيان كانوا، وجبت نصرتهم، ويقول في ذلك ابن العربي في تفسيره في أهل الميثاق إلا أن يستنصروكم على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد، حتى تتم مدته إلا أن يكونوا - أي المسلمون - أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لَا تبقى منا عين تطرف، حتى تذهب إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو ينزل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد منا درهم.
وقد ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي أن الله العلي الكريم الغالب على كل شيء مطلع كما يطلع ذو البصر على ما تعملون، ومكافئكم عليه، وقدَّم"بما تعملون"على"بصير"لمزيد الاهتمام، والحساب على مقتضى علمه سبحانه وتعالى بما يعملون.
هذه حدود ولاية المؤمنين، ولقد ذكر سبحانه وتعالى ولاية الكفار بعضهم مع بعض، وعدم ولايتنا معهم، فقال تعالى:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ(73)