ثم تأتي بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول ، قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت باسمها: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4] .
إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت الله الحرام . ولذلك تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض لها . ولو لم يكن بيت الله الحرام في مكة وقريش سادة مكة ؛ لما كان لهم هذا الوضع المتميز والمكانة العالية ، إذن فعز قريش في بيت الله الحرام ، وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتنتقل قوافلهم إلى الشام وإلى اليمن . ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون . وحين أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة ، وقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها .
ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج مكة لقالوا: استضعفهم وغرر بهم ، أو لقالوا يريدون به السيادة ، أي أنهم كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا ، ولكنهم أخذوها سلماً ليسودوا بها الجزيرة العربية . ولكن شاء الحق تبارك وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش ؛ لتأتي في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق ، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة العربية .
ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل . لكن هل انتصروا؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة؟ . لا ، بل كانت الهجرة إلى المدينة ، ومن هناك امتد الإسلام .