-والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجًا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربًا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرًا في الحرب هل التحيز إليه تحيزًا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال} فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبًا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} وبقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقد قاس ابن شبرمة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال: لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما. وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون: لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج. الصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن.
(17) - وقوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} :
فيه رد على من يقول غن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية.
وقوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} يريد ما كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عن آخر رمية.