فالجوابُ: المرادُ من الأوَّلِ عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة.
وقال السديُّ: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقرُّوا بالذَّنب واستغفروا لكانوا مؤمنين.
وقال عكرمةُ: «وهُمْ يَستَغْفرُونَ» يسلمون، يقول: لو أسلموا لما عذبوا، وروى الوالبي عن ابن عبَّاسٍ: أي: وفيهم من سبق له من الله أنه يؤمن ويستغفر كأبي سفيان، ومصعب بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وغيرهم.
وروى عبد الوهاب عن مجاهدٍ: «وهُمْ يستغْفِرُونَ» أي: وفي أصلابهم من يستغفر.
{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ... (34) }
معنى الآية: وما يمنعهم من أن يعذبوا، أي: بعد خروجك من بينهم: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام} أي: يمنعون المؤمنينَ من الطَّواف، وقيل: أراد بالعذاب بالأوَّلِ عذاب الدُّنيا، وبهذا عذاب الآخرة.
وقال الحسن: قوله {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] منسوخة بقوله {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله} [الأنفال: 34] .
قوله {وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ} في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنَّها استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانُوا أولياءَ المسجد.
والثاني: أنَّها نسقٌ على الجملة الحاليَّة قبلها وهي: «وهُم يَصُدُّونَ»
والمعنى: كيف لا يُعذِّبهُم اللَّه، وهم مُتَّصفون بهذين الوَصْفيْنِ: صدِّهم عن المسجد الحرام، وانتفاءِ كونهم أولياءه؟
ويجوزُ أن يعود الضَّميرُ على الله تعالى، أي: لم يكونوا أولياءَ الله.
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) }
قال ابن عبَّاسٍ: كانت قريش يطوفون بالبيت عُراة، يُصفرون ويصفِّقُون.