وثانيها: أن الجرح كان إليهم وإخراج الروح كان إلى الله، والتقدير: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم.
وأما قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى} .
قال القاضي: قيل: فيه أشياء: منها أنَّ الرمية الواحدة لا توجب وصول التُّراب إلى عيونهم، فكان وصول أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلاَ بإيصالِ اللَّهِ تعالى، ومنها: أنَّ التُرابَ الذي رماه كان قليلاً فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل على أنَّ الله تعالى ضمَّ إليها سائر أجزاء التُّرابِ، فأوصلها إلى عيونهم. ومنها: أنَّ عند رميه ألقى الله الرُّعْبَ في قلوبهم، فكان المُرَادُ من قوله: {ولكن الله رمى} هو أنه تعالى رمى قلوبهم الرُّعْب؟
فالجَوابُ: أنَّ كلَّ ما ذكروه عدولٌ عن الظَّاهرِ، والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ.
قوله: {وَلِيُبْلِيَ المؤمنين} متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: وليبلي فعل ذلك، أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة، أي: ولكن اللَّه رمى ليمحق الكفار، وليُبْلي المؤمنين، والبلاء في الخير والشَّر، قال زهير: [الوافر]
2689 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وإبْلاهُمَا خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
والهاءُ في «مِنْهُ» تعود على الظفر بالمشركين.
وقيل: على الرمي قالهما مكيٌّ، والظَّاهر أنها تعود على اللهِ تعالى.
وقوله: «بَلاَءً» يجوزُ أن يكون اسم مصدر، أي: إبلاء، ويجوزُ أن يكون أريد بالبلاء نفس الشيء المبلو به، والمرادُ من هذا البلاء الإنعام أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر.
قال القاضي: ولولا أنَّ المفسرين اتفقوا على حمل البلاءِ هنا على النعمة، وإلاَّ لكان يحتمل المِحْنَة بالتكليف فيما بعده من الجهاد.
{ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) }
توهينُ الله كيدهم يكون بأشياء:
بإطلاع المؤمنين على عوراتهم.
وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم.
ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم.