فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ.
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: فَمَا رَأَيْتُنِي أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنَ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ.
فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن كَادَ لَيُصِيبُنَا فِي خِلَافِ ابْنِ الْخَطَّابِ عَذَابٌ وَلَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا أَفْلَتَ إِلَّا عُمَرُ) .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَخَذَ - يَعْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِدَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ (لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ) - مِنَ الْفِدَاءِ - (عَذابٌ عَظِيمٌ) [الأنفال: 68] .
ثُمَّ أَحَلَّ الْغَنَائِمَ.
وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أول وقعة لنا مع المشركين
فَكَانَ الْإِثْخَانُ أَحَبَّ إِلَيَّ.
وَالْإِثْخَانُ: كَثْرَةُ الْقَتْلِ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ.
أَيْ يُبَالِغُ فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ.
تَقُولُ الْعَرَبُ: أَثْخَنَ فُلَانٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْ بَالَغَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَتَّى يُقْهَرَ وَيُقْتَلَ.
وَأَنْشَدَ الْمُفَضَّلُ:
تُصَلِّي الضُّحَى مَا دَهْرُهَا بِتَعَبُّدٍ ... وَقَدْ أَثْخَنْتَ فِرْعَوْنَ فِي كُفْرِهِ كُفْرًا
وَقِيلَ: (حَتَّى يُثْخِنَ) يَتَمَكَّنُ.
وَقِيلَ: الْإِثْخَانُ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ.
فَأَعْلَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ قَتْلَ الْأَسْرَى الَّذِينَ فُودُوا بِبَدْرٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ فِدَائِهِمْ.