يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ لَكَ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَا كَانَ يَنْبَغِي حُصُولُهُ لِهَذَا النَّبِيِّ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَوْلُهُ: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا)
الْمُرَادُ الْفِدَاءُ، وَإِنَّمَا سَمَّى مَنَافِعَ الدُّنْيَا وَمَتَاعَهَا عَرَضًا، لِأَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهُ وَلَا دَوَامَ، فَكَأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ، وَلِذَلِكَ سَمَّى الْمُتَكَلِّمُونَ الْأَعْرَاضَ أَعْرَاضًا، لِأَنَّهُ لَا ثَبَاتَ لَهَا كَثَبَاتِ الْأَجْسَامِ لِأَنَّهَا تَطْرَأُ عَلَى الْأَجْسَامِ، وَتَزُولُ عَنْهَا مَعَ كَوْنِ الْأَجْسَامِ بَاقِيَةً.
قَولُهُ تَعَالَى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)
اعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ أَقَاوِيلُ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْكِتَابِ السَّابِقِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا وَنَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَبَاحِثِ: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّه سَبَقَ يَا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الْغَنَائِمِ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ، لَمَسَّكُمُ الْعَذَابُ.
وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ تَحْلِيلَ الْغَنَائِمِ وَالْفِدَاءَ هَلْ كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟
فَإِنْ كَانَ التَّحْلِيلُ وَالْإِذْنُ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ امْتَنَعَ إِنْزَالُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ الْعِقَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْإِذْنَ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ حرامًا
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ حَرَامًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلَالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ الْعِقَابِ؟
قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ بِسَبَبِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِقَابِ.