(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(62)
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ قَالَ: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) أَيْ أَظْهِرْ نَقْضَ ذَلِكَ الْعَهْدِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟
قُلْنَا: قَوْلُهُ: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً) مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا تَأَكَّدَ ذَلِكَ الْخَوْفُ بِأَمَارَاتٍ قَوِيَّةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهَا، وَتُحْمَلُ هَذِهِ الْمُخَادَعَةُ عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ فِي قُلُوبِهِمْ نَوْعُ نِفَاقٍ وَتَزْوِيرٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ قَاصِدِينَ لِلشَّرِّ وَإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، بَلْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِمُ الثَّبَاتَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَتَرْكَ الْمُنَازَعَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لَمَّا قَالَ: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) فَأَيُّ حَاجَةٍ مَعَ نَصْرِهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى قَالَ: (وَبِالْمُؤْمِنِينَ) ؟
قُلْنَا: التَّأْيِيدُ لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّه لَكِنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتَادَةٍ.
وَالثَّانِي: مَا يَحْصُلُ بِوَاسِطَةِ أَسْبَابٍ مَعْلُومَةٍ مُعْتَادَةٍ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ)
وَالثَّانِي: هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَبِالْمُؤْمِنِينَ) .
(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(64)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ عِنْدَ مُخَادَعَةِ الْأَعْدَاءِ وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُطْلَقًا عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّكْرَارِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى، إِنْ أَرَادُوا خِدَاعَكَ كَفَاكَ اللَّه أَمْرَهُمْ.
وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِالْبَيْدَاءِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ الْقِتَالِ.