فَالْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الدَّلَائِلَ الْإِلَهِيَّةَ، وَالثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ رَبَّاهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ، فَأَنْكَرُوا دَلَائِلَ التَّرْبِيَةِ وَالْإِحْسَانِ مَعَ كَثْرَتِهَا وَتَوَالِيهَا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ الْأَثَرُ اللَّازِمُ مِنَ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَخْذُ وَالْأَثَرُ اللَّازِمُ مِنَ الثَّانِي هُوَ الْإِهْلَاكُ وَالْإِغْرَاقُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ أَثَرًا عَظِيمًا فِي حُصُولِ الْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ.
ثُمَّ خَتَمَ تَعَالَى الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ: (وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَظَالِمِي سَائِرِ النَّاسِ بِسَبَبِ الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى إنما هلكهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وَأَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ اللَّهُمَّ أَهْلِكِ الظَّالِمِينَ وَطَهِّرْ وَجْهَ الْأَرْضِ مِنْهُمْ فَقَدْ عَظُمَتْ فِتْنَتُهُمْ وَكَثُرَ شَرُّهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِمْ إِلَّا أَنْتَ، فَادْفَعْ يَا قَهَّارُ يا جبار يا منتقم.
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ...(60)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْمُنَافِقُونَ لَا يَخَافُونَ الْقِتَالَ فَكَيْفَ يُوجِبُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ الْإِرْهَابَ؟
قُلْنَا: هَذَا الْإِرْهَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا قُوَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةَ آلَاتِهِمْ وَأَدَوَاتِهِمُ انْقَطَعَ عَنْهُمْ طَمَعُهُمْ مِنْ أَنْ يَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ، وَذَلِكَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ وَيَصِيرُوا مُخْلِصِينَ فِي الْإِيمَانِ،
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُنَافِقَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَتَرَبَّصَ ظُهُورَ الْآفَاتِ وَيَحْتَالَ فِي إِلْقَاءِ الْإِفْسَادِ وَالتَّفْرِيقِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا شَاهَدَ كَوْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ خَافَهُمْ وَتَرَكَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْمَذْمُومَةَ.