وحينما خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً:"يا رب كيف بالغضب؟"أي كيف يكون علاج الغضب؟ نزل قول الحق: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] .
وقد يستفهم قائل فيقول: أينزغ الشيطان الرسول؟ . وأقول: إنّ الحق تبارك وتعالى لم يقل:"وإذ نزغك الشيطان"، ولكنه قال:"وإما ينزغنك"أي إن حدث ذلك ، وهو قول يفيد الشك - ثم لماذا يحرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من لذة مجابهة الشيطان؟ . ونعم عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة . قالوا: وإياك؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله ...} .
والاستعاذة تعني طلب العون والملجأ والحفظ وأنت لا تطلب العون ولا تلجأ ولا تستجير إلا بمن هو أقوى ممن يريد أن ينالك بشر .
ومعلوم أن الشيطان له من خفة الحركة ، وقدرة التغلغل ، ووسائل التسلل الكثير ؛ لذلك فينبغي ألا تستعيذ بمثله أو بمن هو دونه ، ولكنك تستعيذ بخالق الإنس والجن وجميع المخلوقات ، وهو القادر على أن يعطل فاعلية الشيطان . وسبحانه سميع عليم ، والسمع له متعلق ، والعلم له متعلق ، فحين تستحضر معنى الاستعاذة وأنت مشحون بالإيمان وتلجأ إلى من خلقك . وخلق ذلك الشيطان ؛ عندئذ لا بد أن يهرب الشيطان من طريقك لأنه يعلم أنك تلجأ إلى الخالق القوي القادر وهو ليست له قوة على خالقه ، وسبحانه سميع لقولك:"أعوذ بالله"، عليم بما في نفسك من معنى هذه الكلمة .
وإذا كان الحق تبارك وتعالى هنا قد تكلم عن حضرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ}