وقولهم: إن الجنة لنا (خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ) و (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وأمثال هذا، وهذا هو التيه في
الضلال.
وأما الأبرار فهم في معزل من هذا، إن شاء الله يؤمنون بما أنزل إليهم وما
أنزل من قبلهم، ويستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويستبشرون بفضل من الله
ورحمة، وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ومنهم (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) . للخوف المتمكن من قلوبهم لا
يرون أحدًا أحق منهم بالعذاب إن لم يغفر الله لهم ويرحم، هذا منهم بعد تصديق الله
-جل ذكره - في وعده ووعيده، والإيمان بما جاء من عنده، وجعلهم التهمة في
جنباتهم، وتحصيل الأمن من خلف وعد أو هضم من حق، بل أنا له الموعود مع
الزيادة بالفعل.
قوله - عز وجل: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ
سُوءَ الْعَذَابِ ... (167) . يريد: يذيقهم سوء العذاب على العداوة بالترداد،
والمعاودة على ذلك بالمكروه، سُمتُ في السلعة، أي: كررت الكلام فيها وعاودته،
وقوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ) أوجب ذلك على نفسه وقضائه، وأعلمَ به ذلك؛ لأنهم نسوا
كثيرًا مما ذكروا به [وعصَوا] وخالفوا ما ذكروه، وأصل ذلك ما تقدم ذكره قبل هذا
وهو الغفلة وزوال حلاوة بشاشة الإيمان بالوعد وخلو القلوب من لذع الخوف. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 2/ 380 - 390} ...