إنما كانت تغفر لهم ببعض أعمالهم.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أنزلت عليَّ سورة البقرة من كنز تحت العرش".
وقال له الملك:"لن تقرأ بحرف منها إلا أوتيته وأعطيته"وفيها:(رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)فيقول الله - جلَّ جلالُه - لقارئها:"قد فعلت"
وفي أخرى:"نعم".
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا"
عليه"."
وكما من الواجب علينا الإيمان والتصديق بما في الكتاب وحديث
الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما بشر به من غفران الذنوب عند الوضوء، وترك المؤاخذة
بالخطايا مع الصدق، واستعمال الذكر واجتناب التغافل، فكذلك كان يجب
عليهم الإيمان بمثل ذلك في حط خطاياهم عنهم بكونهم قاصدين إلى
بيت الله للصلاة بإخلاص الوجهة، يعتقدون ذلك بقلوبهم، ويقولونه بألسنتهم.
فلما اتخذ منهم البعض دينهم لهوًا ولعبًا وصلوا القضاء أوطارهم وتعبدوا
لغير الله تعالى زالت بشاشة الإيمان بالبشارة من قلوبهم على أعمالهم؛ إذ لم يبلغ
لرحلها ومصاحبة الغفلة لها أن يبشر على تلك الحال، فكانوا يقرءون كتاب الله
ولا يقفون عليه بالعلم، وربما علموه علمًا ظهريًا، ورؤية بصائرهم عن جنب
دون تحقق وتكون القلوب هكذا ونحو هذا خوفت وحرمت نور البشارة فلم يبشر
على أعمالها تلك فقالوا ما يعبر به عن خوف ما وإنهم ليسوا بمستحقين لأجل
ظلمهم البشارة على ما هم عليه قلما يعبر به عن بأس ما يرون هذا كله بعيون
بصائرهم عن جنب نسوا الأجل ظلمهم هذا وهذا خلفه الذهول فكانوا بذلك
مبدلين لما فرض الله عليهم وأمروا به من الإيمان قولاً غير الذي قيل لهم
إما لأنهم قصر بهم في تبدل أحوالهم تلك عن تحقيق البشارة؛ لغلبة خوف من
أن تزيد عليهم أعمالهم، وإما لأنهم علوا في ذلك ووافقوا الإدلال.
وكانوا يقولونها إن كانوا وقفوا عليها بالعلم، ويتلونها في الكتاب بقلوب
غافلة ونيات غائبة، ووجوه غير متحققة بالتوجه إلى الله، وربما تمنوا على الله
في حالتهم تلك كقولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) .