والثاني: إنباء عن عواقب الظلمة والفسقة، وما حل بهم بظلمهم وانتهاكهم حرم اللَّه؛ ليكون ذلك زجرًا لنا عن ارتكاب مثله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) قيل، تأذن: أي: قال ربك: ليبعثن.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) هو من الأذان، أي: أعلم ربك.
وقوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ...) الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام واتباع مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم اللَّه ليبعثن عليهم من يقاتلهم ولأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإجابة له فيما يدعو إليه.
وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...) إلى قوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا) ، أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) .
وقال قائلون: هذا إنما كان في هَؤُلَاءِ الذين سبق ذكرهم في قوله: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) .
قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هَؤُلَاءِ؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قرودًا لم يحتمل - أيضًا - بعد ما صاروا قرودًا، فهو - واللَّه أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) .
يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.