شُخُوصُ الْأَبْصَارِ عِبَارَةٌ عَنِ ارْتِفَاعِهَا ، وَكَوْنُ أَجْفَانِهَا مَفْتُوحَةً سَاكِنَةً لَا تَطْرُفُ"وَمُهْطِعِينَ"مِنْ أَهْطَعَ الْبَعِيرُ إِذَا صُوَّبَ عُنُقَهُ وَمَدَّ بَصَرَهُ ، وَقِيلَ: الْإِهْطَاعُ أَنْ تُقْبِلَ بِبَصَرِكِ عَلَى الْمَرْئِيِّ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْإِسْرَاعِ ، وَ مُقْنِعِي
رُءُوسِهِمْ مِنْ أَقْنَعَ الْبَعِيرُ رَأْسَهُ إِلَى الْحَوْضِ لِيَشْرَبَ إِذَا رَفَعَهُ ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَكُونُ رَفْعًا وَخَفْضًا فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الِاضْدَادِ ، وَقَوْلُهُ: لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَفُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُمْ فِي شُخُوصِ الْأَبْصَارِ وَإِهْطَاعِهَا مَعَ امْتِدَادِ الْأَعْنَاقِ وَتَصْوِيبِهَا إِلَى مَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ شُغْلًا شَاغِلًا لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَتَكُونَ طَوْعَ إِرَادَتِهِمْ يُوَجِّهُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا بَلْ هُمْ فِي هَوْلٍ وَكَرْبٍ لَا مَشِيئَةَ وَلَا سُلْطَانَ لَهُمْ مَعَهُمَا عَلَى أَبْصَارِهِمْ بَلْ عُيُونُهُمْ مَمْدُودَةٌ مَفْتُوحَةٌ لَا تَطْرُفُ وَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ بِتَصْوِيبٍ وَلَا تَصْعِيدٍ . ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ هَذَا وَسَبَبَهُ فِي النَّفْسِ فَقَالَ: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ أَيْ خَلَاءٌ خَاوِيَةٌ مِنَ الْعَقْلِ فَاقِدَةٌ لِلْقُوَّةِ وَالْإِرَادَةِ .
لَعَمْرُ الْحَقِّ إِذَا تَصَوَّرَ مَنْ يَفْهَمُ هَذَا الْوَصْفَ حَقَّ الْفَهْمِ قَوْمًا هَذِهِ حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُمْ لَيَأْخُذَنَّ الرُّعْبُ بِمَخْنِقِهِ ، وَلِيَسْتَحْوِذَنَّ الذُّعْرُ عَلَى شُعُورِهِ وَإِدْرَاكِهِ ، وَلَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ الْخُلَّصِ أَوِ الْأَعْرَابِ الْأَقْحَاحِ .