و كانت الصّدّيقيّة كمال الإِخلاص ، والانقياد والمتابعة فِي كلّ الأُمور ؛ حتى إِنّ صِدْق المتبايِعَيْن يُحلّ البركة فِي بيعهما ، وكذبهما يَمْحَى بركة بيعهما ؛ كما فِي الصّحيحين:"قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: البيّعان بالخيار مالم يتفرّقا ، فإِنْ صَدَقَا وبَيّنا بُورِكَ لهما بيعهما ، وإِن كَذَبا وكتما مُحِقَت بركة بيعهما".
وقد تَنوَّعَتْ كلمات السّادة فِي حقيقة الصّدق.
فقال عبدالواحد ابن زيد رحمه الله: الصّدق الوفاءُ لله بالعمل.
وقيل: موافقة السرّ النطقَ.
وقيل: استواءُ السرّ والعلانية ، يعني أَنَّ الكاذب علانيته خير من سريرته ؛ كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه.
وقيل: الصّدق: القول بالحقّ فِي مَوَاطن الهَلَكة.
وقيل: كلمة الحقّ عند من يخافه ويرجوه.
وقال الجُنَيد: الصادق يتقلّب فِي اليوم أَربعين مرّة.
المرائى يثبت على حالة واحدة أَربعين سنة.
وذلك لأَنَّ العارضات والواردات التي ترِد على الصّادق لا ترد على الكذَّاب المرائى ، بل فارغ منهما لا يُعارضه الشَّيطان كما يعارض الصّادق ، وهذه الواردات توجب تقلّب قلبِ الصّادق بحسب اختلافها وتنوّعها ، فلا تراه إِلاَّ هاربًا مِن مكانٍ إِلى مكان ، ومن عملٍ إِلى عمل ، ومن حالٍ إِلى حال ؛ لأَنَّه يخاف فِي كلّ ما يطمئنّ إِليه أَن يقطعه عن مطلوبه.
وقال بعضهم: لم يشمّ روائح الصّدق مَنْ داهن نفسه أَو غيره.
وقال بعضهم: الصّادق: الَّذى يتهيّأُ له أَن يموت ولا يستحى مِن سِرّه لو كُشف.
قال تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وقال إِبراهيم الخوّاص: الصّادق لا يُرَى إِلاَّ فِي فَرض يؤدّيه ، أو فضل يعمل فيه.
وقال الجنيد مرّة: حقيقة الصّدق أَن تَصدُق فِي مواطن لا ينجيك [منها] إِلا الكذب.
وفى أَثَرٍ إِلَهيّ: مَن صَدَقنى فِي سريرته صدَقته فِي علانيته عند خَلْقى.
وقال سهل: أَوّل خيانة الصّديقين حديثهم مع أَنفسهم.