وقال يوسف بن أَسباط: لأَنْ أَبيتَ ليلة أُعامل الله بالصّدق أَحَبّ إليّ من أَن أُحارب بسيفى فِي سبيل الله.
وقال الحارث المحاسبيّ: الصّادق: هو الذي لا يبالى لو خرج كلّ قَدْر له فِي قلوب الخَلْق من أَجل صلاح قلبه ، ولا يحبّ اطِّلاع النَّاس على مثاقيل الذَّر من حُسن عمله ، ولا يكره أَن يطَّلع النَّاس على السَيئ من عمله ، فإِن كراهته له دليل على أَنه يحبّ الزيادة عندهم ، وليس هذا من علامات الصّدِّيقين.
هذا إِذا لم يكن له مراد سوى عمارة حاله عندهم ، وسكناه فِي قلوبهم تعظيمًا له.
وأَمّا لو كان مراده بذلك تنفيذًا لأَمر الله ، ونشرًا لدينه ، ودعوة إِلى الله ، فهذا الصادق حقًّا ، والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدها.
وقال بضعهم: مَن لم يؤدّ الفَرْض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت.
قيل: وما الفرض الدّائم؟ قال: الصّدق.
وقيل: مَن يطلب الله بالصْدق أَعطاه مِرآة يبصر فيها الحقّ والباطل.
وقيل: عليك بالصّدق حيث تخاف أَنَّه يضرّك ، ودع الكذب حيث تراه أَنَّه ينفعك ؛ فإِنَّه يضرّك.
وقال الشيخ عبدالله الأَنصارى: الصّدق اسم لحقيقة الشيء ، حُصُولاً ووجودًا.
والصّدق: هو حصول الشيء وتمامه ، وكمال قوّته واجتماع أَجزائه كما يقال: عزيمة صادقة إِذا كانت قوّية تامّة ، وكذلك محبّة صادقة ، وإِرادة صادقة.
وكذلك حلاوة صادقة إِذا كانت قويّة تامة ثابتة الحقيقة ، لم ينقص منها شىء.
ومن هذا أَيضا صِدْق الخبر ؛ لأَنَّه وجود المخبَرِ [به] بتمام حقيقته فِي ذهن السّامع.
وهوعلى ثلاث درجات:
الأُولى: صِدْق القَصد ، وبه يصحّ الدّخول فِي هذا الشأْن ، ويُتلافَى كلّ تفريط ويُتدارك كلّ فائت ، ويعمر كلّ خراب.
وعلامة هذا الصادق أَلاَّ يحتمل داعيةً يَدعو إِلى نقض عهد ، ولا يصبر على صحبة ضِدّ ، ولا يقعد عن الجدّ بحال.