فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {تُشْرِكُوا} نَصْبًا بِـ (أَنْ لَا) ، أَمْ كَيْفَ يَجُوزُ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ) عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ وَقَدْ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ جَزْمِ النَّهْيِ؟
قِيلَ: جَازَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} فَجَعَلَ (أَنْ أَكُونَ) خَبَرًا وَ (أَنْ) اسْمًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الْأَعْبُدَا ... أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدَا
وَلَا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا
فَجَعَلَ قَوْلَهُ: (أَنْ لَا تَرَى) خَبَرًا، ثُمَّ عَطَفَ بِالنَّهْيِ فَقَالَ: (وَلَا تُكَلِّمْ) ، (وَلَا يَزَلْ)
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} : وَلَا تَئِدُوا أَوْلَادَكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ مِنْ خَشْيَةِ الْفَقْرِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِنَفَقَاتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُمْ، فَتَخَافُوا بِحَيَاتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْعَجْزَ عَنْ أَرْزَاقِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ.
وَالْإِمْلَاقُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَمْلَقْتُ مِنَ الزَّادِ، فَأَنَا أُمْلِقُ إِمْلَاقًا، وَذَلِكَ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ وَذَهَبَ مَالُهُ وَأَفْلَسَ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: {مِنْ إِمْلَاقٍ} قَالَ: «شَيَاطِينُهُمْ يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَئِدُوا أَوْلَادَهُمْ خِيفَةَ الْعَيْلَةِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَقْرَبُوا الظَّاهِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْكُمُ الَّتِي هِيَ عَلَانِيَةٌ بَيْنَكُمْ لَا تَنَاكَرُونَ رُكُوبَهَا، وَالْبَاطِنَ مِنْهَا الَّذِي تَأْتُونَهُ سِرًّا فِي خَفَاءٍ لَا تَجَاهَرُونَ بِهِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ.