والآفة - دائما - في القائمين على أمر التشريع ، فحينما تأتيهم حالة لذي جاه وسلطان يحاولون إعداد وتفصيل حكم يناسبه ، فنقول لمثل هذا الرجل: أنت تفصل الحكم برغم أن الأحكام جاهزة ومعدة ظاهرة ، إننا نجد القوالب البدنية تختلف فيها التفصيلات للملابس بينما القوالب المعنوية نجد فيها التساوي بين الناس كلها ، فالصدق عند الطفل مثل الصدق عند اليافع ، مثل الصدق عند الرجل ، مثل الصدق عند المرأة ، مثل الصدق عند العالم ، مثل الصدق عند التاجر . وليس لكل منهم صدق خاص ، وكذلك الأمانة .
ورحمنا الإسلام بالقضية العقدية وكذلك بالقضية الحكيمة الجاهزة . المناسبة لكل بشر ، وليست هناك آية على مقاس واحد تطبق عليه وحده ، لا ، فالآيات تسع الجميع {وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ...} [الأنعام: 154] .
والهدى هو ما يدل على الغايات ، لأن دين الفطرة قد انطمس بعدم تبليغ الآباء إلى الأولاد منهج السماء في أمور الحياة ومتعلقاتها والقيم التي يجب أن تسود . والآفة أن الأب يعلم ولده كيف يأكل ويشرب ، وينسى أن يعلمه أمور القيم ، لكن الحق سبحانه وتعالى رحم غفلتنا ، ورحم نسياننا ؛ فشرع وأرسل لكل زمان رسولا جديدا ، وهديا جديدا ليذكرنا . {... لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون} [الأنعام: 154]
إن كل آفة تنبع من العزوف عن تشريعات الله ، وهم ينسون أن يضعوا في أذهانهم لقاء الله ، لكن لو أن لقاء الله متضح في أذهانهم لاستعدوا لذلك ؛ لأن الغايات هي التي تجعل الإنسان يقبل على الوسائل . والشاعر يقول:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ... ومن أين والغايات هي بعد المذاهب