ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة: الشرك ، والزنا ، وقتل النفس.. ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة ؛ والثانية جريمة قتل للجماعة ، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة.. إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة. والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة ، منتهية حتماً إلى الدمار. والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية. شواهد من التاريخ. ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد. والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات ، مجتمع مهدد بالدمار.. ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم في أقسى العقوبات ، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار.
ولقد سبق النهي عن قتل الأولاد من إملاق. فالآن ينهى عن قتل {النفس} عامة ، فيوحي بأن كل قتل فردي إنما يقع على جنس {النفس} في عمومه. تؤيد هذا الفهم آية: {... أنه من قتل نفساً ، بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها ، وعلى النفس البشرية في عمومها. وعلى هذه القاعدة كفل الله حرمة النفس ابتداء. وهناك طمأنينة الجماعة المسلمة في دار الإسلام وأمنها ، وانطلاق كل فرد فيها ليعمل وينتج آمناً على حياته ، لا يُؤذى فيها إلا بالحق. والحق الذي تؤخذ به النفس بينه الله في شريعته ، ولم يتركه للتقدير والتأويل. ولكنه لم يبينه ليصبح شريعة إلا بعد أن قامت الدولة المسلمة ، وأصبح لها من السلطان ما يكفل لها تنفيذ الشريعة!
وهذه اللفتة لها قيمتها في تعريفنا بطبيعة منهج هذا الدين في النشأة والحركة.
فحتى هذه القواعد الأساسية في حياة المجتمع ، لم يفصلها القرآن إلا في مناسبتها العملية.