وعهد الله تعالى الذي يتجه إليه، ما عهده إلى بني آدم من فطرة مستقيمة أنشأهم عليها، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) . وإن تكليفات الله تعالى عهود عليهم.
والعهود بين العباد عهود الله تعالى عليهم؛ لأنهم عادة يوثقونها بأيمانهم، وقد قرر سبحانه وتعالى ذلك، وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) .
فهذه الآية تحث على الوفاء بما يكون من العهود بين الآحاد والجماعات، وهي تدل على ثلاثة أمور:
أولها - أن من وثق عهده بالله فقد جعل الله تعالى كفيلا بالوفاء، والخيانة أو خفر العهد خيانة لله تعالى.
ثانيها - أن الوفاء بالعهد يقوي الأمة فيجعل الناس يثقون بها، وتلك قوة، ولذلك شبه الله تعالى من ينقض عهده بالحمقاء التي تنقض ما فتلته من غَزْل، فتجعله أنكاثا شعرا متفرقا.
ثالثها - أنه لَا يصح أن تكون الرغبة في زيادة الأرض والسلطان سببا لخيانة العهد؛ لأن ذلك ظلم وطغيان، وفقد لقوة أكبر وأعز من النكث في العهد والخيانة وصدق ما قاله ابن عباس فيما نقلنا (ما خفر قوم في العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوهم) .
هذه وصايا الله سبحانه وتعالى، ويلاحظ أنه لم يذكر في هذه الوصايا الصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي من أركان الإسلام، والصلاة عمود بهل دين، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا دين من غير صلاة"لأنها لب العبادة. ولماذا لم تذكر الصلاة في هذه الوصايا، مع أنها لَا تقل طلبا في الإسلام عما ذكر من الوصايا العشر؛ ونجيب عن ذلك بثلاثة أمور.