(وَأَوْفوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
هذان هما الأمران السابع والثامن اللذان أوصى الله تعالى بهما في ضمن عشر الوصايا، وهما الوفاء بالكيل في المكيلات، والوفاء بالوزن في الموزون بالقسط من غير بخس ولا شطط، ولا زيادة ولا نقص، بل للناس من وفاء الكيل بمقدار ما تطلب، وتعطيهم من الوزن بمقدار ما تطلب لو كنت طالب الكيل والميزان، وذلك على حسب الطاقة في تحري الحق في مكيل غير منقوص، وموزون غير مبخوس؛ ولذا قال تعالى: (لا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وإن الله تعالى إذ يطالب بالوفاء في الكيل والميزان يذم المطففين لهما، فقد قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) .
وكان الأمر بالوفاء؛ لأنه المطلوب، فالزيادة غير مطلوبة إلا من أهل السماحة، والنقص محرم ممنوع.
وإن الوفاء في الكيل والميزان يرمز إلى حسن التعامل في الأمة، ومنع أكل أموال الناس بالباطل الذي يضعفها ويقتلها.
ولذا عقب الله تعالى النهي عن أكل أموال الناس بالباطل بالنهي عن قتل أنفسهم أي تفريق النفوس في جماعتهم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(29) .
ولقد قال ابن عباس فيما روي عنه كلمة جامعة في آفات الجماعات ونتائجها: (ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله تعالى عليهم العدو.
هذا وإن العدل في الأمة ميزانها، ولذا قال تعالى:
(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) .