تكشف الْمُرَاد من الموصول وتصلح تعريفا له ولو بالإشَارَة وبالرسم ولما وجب في
التعريف وما في حكمه التساوي لزم كون المنعم عليهم وغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ متساويين
ذاتًا فإن أريد المنعم عليهم بالنعم الْأُخْرَويَّة ولا يكون مسبوقا بالغضب والضلال كما في
النبيين والصديقين والشهداء والصَّالحينَ تكون الصّفَة مبينة كاشفة وإلا فتكون صفة مقيدة
سواء أريد بالنعمة النعمة الدنيوية والْأُخْرَويَّة أو الْأُخْرَويَّة فقط لكنها مسبوقة بالغضب
والضلال كعصاة الموحدين فالْمَوْصُوف عام والصّفَة مخصصة تقلل الاشتراك قول الْمُصَنّف
في كون الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب صفة لِلْمُتَّقِينَ يؤيد ما ذكرنا والصّفَة التي تقلل الاشتراك
تسمى مخصصة عند أرباب الْمَعَاني ولو معرفة والتي ترفع الاحتمال تسمى موضحة ولو
نكرة والتَّخْصِيص بالنكرة والتوضيح بالمعرفة اصْطلَاح النحاة (مبينة أو مقيدة) .
قوله: (عَلَى معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة) أي المقصود بالذات غير مقيد بكونه
مقصودًا بالغير كالرضاء والنزول في أعلى عليين والإيمان الموصل إلَى نيل ذلك، وأما السلامة
الْمَذْكُورة فإنما هي نعمة ووسيلة إلَى ذلك وبهذا الاعتبار جعل تابعًا ومقصودًا بالغير، وأما اعتبار
كونها من قبيل التخلية المرتبة عليها التخلية فهو أصل مقصود وكونه بدلًا بالنظر إليه فلا منافاة
فحِينَئِذٍ يكون مراد الْمُصَنّف بقوله (وهي نعمة الإيمان) الإيمان الكامل المعتد به الموصل إلَى
السعادة الأبدية فيتناول نحو الْمَغْفرَة والرضاء والقرينة عليه كلامه السابق بطَريق الكناية فيكون
موافقا لما اختاره من أن الْمُرَاد القسم الأخير وهذا الْمَعْنَى يلائم كونها صفة مبينة كما هُوَ مساق
الْكَلَام ووجه كونه معنى عَلَى كونها مقيدة ما أشرنا إليه من أن الْمُرَاد بالمنعم عليهم المنعم
عليهم بالنعم الْأُخْرَويَّة سواء كان الوصول إلَى تلك النعم مسبوقًا بالغضب كدخول النَّار مدة من
الزمان ثم الدخول إلَى الجنان فتكون الصّفَة مقيدة ويصير الْمَعْنَى هكذا لخروجهم بهذه الصّفَة
فبقي من لم يكن مسبوقًا بهما كما وإن الْمُرَاد ذلك في صورة كونها مبينة بلا احتياج إلَى
الإخراج أو لا يكون مسبوقًا بهما أصلًا فتكون صفة مبينة كاشفة ثم إن لفظ الذي يقع صفة
ومَوْصُوفًا بخلاف من وما من الموصولات فإنها لا يوصف بها كما في الرضي وغيره(وبين
السلامة من الغضب والضلال).
قوله: (وذلك إنما يصح) إشَارَة إلَى جواب سؤال مقدر وبيان رجحان البدلية
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو مقيدة عن هذا التَّفْسير فلا يقع العمل بالأجنبي بين التَّفْسير والمفسر.
قوله: وذلك إنما يصح أي جعله وصفًا إنما يصح بجعل الْمَوْصُوف نكرة أو بجعل الوصف
معرفة أما الأول فبأن يراد بالَّذينَ أنعمت عليهم طائفة لا بأعيانهم بأن يصرف التعريف فيه عَلَى
العهد الذهني لا الخارجي وهو المسمى بقوله؛ إذ لم يقصد به معهود أي معهود خارجي وليس معناه
أنه لا عهد فيه والمعهود الذهني يعامل معه معاملة النكرة؛ إذ لا يقصد به أمر معين خارجًا بل الْمُرَاد
به الجنس من حيث وجوده في ضمن فرد غير معين أو في حصة غير معينة من الجنس. أقول: سلب
العهد الخارجي هنا عَلَى الإطلاق ينافي ما سبق منه من تَجْويز أن يراد بالَّذينَ أنعمت عليهم الْأَنْبيَاء
أو أصحاب مُوسَى وعيسى عليهما الصلاة وَالسَّلَامُ قبل نسخ شريعتهما.