فكلّ ما يطلق عليه اسم"شيء"فهو داخل فِي حيطة هذا الحكم والإخبار الإلهي. وقد أسلفنا من قبل أنّ لكلّ حقيقة أو صفة تنضاف إلى الكون بطريق الخصوصيّة التي هي من خصائص الممكنات ، أو بطريق الاشتراك ، بمعنى أنّه تصحّ نسبتها إلى الحقّ من وجه وباعتبار ، وإلى الكون أيضا كذلك فإنّ لها - أي لتلك الحقيقة - أصلا فِي الجناب الإلهي ، إلى
ذلك الأصل ترجع وإلى الحقّ من حيث ذلك الأصل تستند.
والتكليف من جملة الحقائق وأنّه ظهر بين أصلين ، هما له كالمقدّمتين أو كالأبوين ، كيف قلت ، وهكذا كلّ أمر يظهر فِي مراتب التفصيل فإنّه لا بدّ وأن يكون ظاهرا بين أصلين فِي إحدى حضرات النكاحات الخمسة المذكورة من قبل.
فالأصلان الأوّلان: حضرة الوجوب والإمكان أو قل: حضرة الأسماء والأعيان كيف شئت ، والنكاحات قد مرّ حديثها.
وأنت متى رجعت إلى ما أسلفناه فِي بدء الإيجاد وسرّه وسرّ الوحدة ، تذكّرت ما بيّنّا من أنّ الأحديّة لا تقتضي إظهار شيء ولا إيجاده ، وأنّ الحقّ من حيث ذاته وأحديّته غنيّ عن العالمين ، لا يناسب شيئا ، ولا يرتبط به ، ولا يناسبه أيضا شيء ، ولا يتعلّق به ، فإنّ التعلّق والمناسبة إنّما ثبتا من جهة المراتب بحكم التضايف الثابت بين الإله والمألوه ، والخالق والمخلوق ، وغير ذلك ممّا هو واقع بين كلّ متضايفين وكلّ مرتبتين هذا شأنهما ، وقد مرّ أنّ الأثر لا يصحّ بدون الارتباط ، والارتباط لا يكون إلّا للمناسبة ، فتذكّر تفصيل ما ذكر فِي ذلك ، ففيه غنية عن التكرار ، واللّه المرشد.
ثم نرجع ونقول: فالأصل الواحد الذي يستند إليه التكليف هو الإيجاب الإلهي ، المختصّ بذلك الجناب ، وهو إيجاب ذاتي منه عليه قبل أن يظهر للغير عين ، أو يبدو لمرتبته حكم.