البصريون، يقولون: التقدير ذو عدل، وذو رضى، وإذا كان كذلك فمن
المحققون،
ثم اختلف النقل عن الفريقين، والمشهور أن الخلاف مطلق.
وقال ابن عصفور: وهو الظاهر، إنما الخلاف حيث لا تقصد المبالغة،
فإن قصدت فالاتفاق على أنه لا تأويل ولا تقدير.
وهذا الذي قاله ابن عصفور هو الذي فِي ذهن أبي حيان، ولكنه نسي فتوهم أن
ابن عصفور قال: إنه لا تأويل مطلقا، فمن هنا - والله أعلم - فِي خل عليه الوهم.
والذي ظهر لي أن الفارسي إنما لم يجز فِي"فضلا"الصفة، لأنه رآه منصوبا
أبدا سواء كان ما قبله منصوبا، كما فِي المثال، أم مرفوعا، كما فِي البيت، أم
مخفوضاً، كما فِي قولك: فلانٌ لا يهتدي إلى ظاهر النحو فضلا عن دقائق البيان.
فهذا منتهى القول فِي توجيه إعراب الفارسي.
وأما تنزيله على المعنى المراد فعسير، وقد خرّج على أنه من باب قوله:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره... ... ... ... ... ... ..
ولم يذكر أبو حيان سوى ذلك، وقال: وقد يسلطون النفي على المحكوم عليه
بانتفاء صفته، فيقولون: ما قام رجل عاقل، أي لا رجل عاقل فيقوم، ثم أنشد بيت
امرئ القيس المذكور، وقال: ألا ترى أنه لا يريد إثبات منار للطريق، ونفي
الاهتداء به، إنما يريد نفي المنار، فتنتفي الهداية به، أي لا منار لهذا الطريق
فيهتدى به، وقال الأفوه:
بمهمهٍ ما لأنيس به... حس فما فيه له من رسيس
لا يريد أن بهذا القفر أنيسا لا حس له، إنما يريد لا أنيس به، فيكون له حس،
وعلى هذا خرّج (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافع لهم فتنفعهم شفاعته
و (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أي لا سؤال فيكون إلحافا، قال: وعلى هذا يتخرّج
المثال المذكور أي لا يملك درهما فيفضل عن دينار، وإذا انتفى ملكه للدرهم كان
انتفاء ملكه للدينار أولى.
قال ابن هشام: وهذا الكلام الذي ذكره لا تحرير فيه، فإن الأمثلة المذكورة