فالرحمة الواحدة المرسلة إلى الدنيا هي النسبة الجامعة من نسب الرحمة ظهرت فِي الموطن الجامع لما بيّنّا من أنّ تجلّي الحقّ وحكم أسمائه يتعيّن فِي كلّ حال ووقت وموطن بحسب القوابل والأحكام المختصّة بها.
والتسعة والتسعون رحمة هي عبارة عن مراتب الرحمة وأحكامها فِي أسماء الإحصاء فالنسبة الجامعة تظهر حكم الرحمة من الوجه الكلّي ، وبالأسماء المذكورة تظهر أحكامها التفصيليّة ، وبأحديّة جمعها يظهر فِي آخر الأمر سرّ سبقها للغضب.
وقد بيّنّا غير مرّة أنّ الآخر نظير الأوّل ، بل هو عينه خفي بين الطرفين ، لتداخل أحكام النسب المتعيّنة بين البداية والنهاية ، ثم تكمّل حكم الأوليّة فِي آخر الأمر ، فتظهر له الغلبة فِي النهاية ، فإنّ الحكم فِي كلّ أمر هو للأوّليّات ، ولكن بسرّ الجمع كما أشرت إلى ذلك مرارا ، فإذا كان يوم القيامة ، وانضافت هذه النسبة الجامعة إلى التسعة والتسعين المتفرّعة فِي الأسماء ، وانتهى حكم الاسم"المنتقم"و"القهّار"وأخواتهما ، ظهر سرّ سبق الرحمة الغضب فِي أوّل الإنشاء ، فافهم.
ولمّا كانت الموجودات مظاهر الأسماء والحقائق ، وكان الإنسان أجمعها وأكملها ،
اقتضى الأمر الإلهي أن يكون فِي عباد اللّه من هو مظهر هذا الحكم الكلّي والتفصيلي المختصّين بالرحمة ، فكان ذلك العبد صاحب السجلّات ، الذي وردت قصّته فِي الحديث ، وكانت بطاقته الحاملة سرّ أحديّة الجمع هي التي فيها لا إله إلّا اللّه ، ولها الأوّلية والجمعيّة والأحديّة ، فغلبت لذلك أحكام الأسماء كلّها.