وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الْفَعِيلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَوَسَّلْتُ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا , بِمَعْنَى: تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي يَعْنِي بِالْوَسِيلَةِ: الْقُرْبَةُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرُ: إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} قَالَ:"الْمَحَبَّةَ , تَحَبَّبُوا إِلَى اللَّهِ."
وَقَرَأَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهُمُ الْوَسِيلَةَ}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ: وَجَاهِدُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَعْدَائِي وَأَعْدَاءَكُمْ فِي سَبِيلِي , يَعْنِي: فِي دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ , وَهِيَ الْإِسْلَامُ , يَقُولُ: أَتْعِبُوا أَنْفُسَكُمْ فِي قِتَالِهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يَقُولُ:"كَيْمَا تَنْجَحُوا فَتُدْرِكُوا الْبَقَاءَ الدَّائِمَ , وَالْخُلُودَ فِي جَنَّاتِهِ."
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْفَلَاحِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) }
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا رُبُوبِيَّةَ رَبِّهِمْ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ وَمِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ , وَهَلَكُوا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ التَّوْبَةِ. لوْ أَنَّ لَهُمْ مُلْكَ مَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا وَضِعْفَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ أَمْرِهِ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَافْتَدُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ مَا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ فِدَاءً وَعِوَضًا مِنْ عَذَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ , بَلْ هُوَ مُعَذِّبُهُمْ فِي حَمِيمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَذَابًا مُوجِعًا لَهُمْ.