ولقد روى المفسرون روايات عديدة كسبب لنزول الآيتين. منها أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض فخيّر الله رسوله معاقبتهم بالعقوبات المذكورة في الآية الأولى. ومنها أنها نزلت في المشركين عامة. ومنها أنها نزلت في رهط من عكل وعرينة أسلموا وأقاموا في المدينة ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له إنهم استوخموا الهواء فأعطاهم ذودا من إبل مع رعاته وأذن لهم بالنزول خارج المدينة وشرب ألبان الإبل فلما خرجوا قتلوا الرعاة وفي رواية سملوا عيونهم ثم قتلوهم واستاقوا الإبل وارتدوا إلى الكفر فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خيلا وراءهم فأسروهم وأتوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وتركهم في الحرّة حتى هلكوا وفي رواية أنه أحرقهم بالنار. وهذه الرواية من مرويات البخاري بخلاف يسير. ومنها أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر الذي وادع النبي صلى الله عليه وسلم باسم قومه أن لا يعتدوا على أحد من المسلمين. أو على أحد يريد الإسلام. فمرّ بهم قوم من بني كنانة يريدون الإسلام فشدوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم. وهناك رواية يرويها الطبري والبغوي- ويعزوها الأخير إلى الليث بن سعد- أن الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد تنكيله برهط عكل وعرينة على تسميله أعينهم ولتحديد عقوبة أمثالهم
دون تسميل وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمل بعد ذلك أحدا من أعداء الله بناء على هذه الآية وأنه ما قام خطيبا إلّا نهى عن المثلة.
والذي نستلهمه من روح الآيتين ونظمهما وترتيبهما أنهما جاءتا معقبتين على الآيات السابقة. وبخاصة الآية الأخيرة التي ذكرت أن كثيرا من بني إسرائيل ظلوا على إسرافهم في الفساد والاعوجاج برغم ما كتب الله عليهم من أحكام وأرسله إليهم من رسل فجاءت الآيتان تحتويان إنذارا وتنديدا جديدين لهم وتشريعا لما يجب أن يكون جزاء من يقف مثل موقفهم.