وَمَجْمُوعُ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ تُفِيدُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْإِسْلَامَ خَدِيعَةً لِلسَّلْبِ وَالنَّهْبِ ، وَأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ ، ثُمَّ قَتَلُوهُمْ وَمَثَّلُوا بِهِمْ ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلَى الْأَعْرَاضِ أَيْضًا ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاقَبَهُمْ بِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ ; عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (42: 40) وَقَوْلِهِ: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) (2: 194) إِنْ صَحَّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ عِقَابِهِمْ ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُمْ كَعَادَتِهِ ; لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ عَلَى مِثْلِ فَعْلَتِهِمْ أَمْثَالُهُمْ مِنْ أَعْرَابِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ ، فَأَرَادَ بِذَلِكَ الْقِصَاصَ وَسَدَّ الذَّرِيعَةِ ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْآيَةَ بِهَذَا التَّشْدِيدِ فِي الْعِقَابِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِفْسَادِ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ ؛ وَهِيَ سَدُّ ذَرِيعَةِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ ، وَلَكِنَّهُ حَرَّمَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ
الْمُثْلَةَ ؛ وَهِيَ تَشْوِيهُ الْأَعْضَاءِ ، وَلَا مَفْسَدَةَ أَشَدُّ وَأَقْبَحُ مِنْ سَلْبِ الْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ النَّاطِقَةِ وَالصَّامِتَةِ . فَرُبَّ عُصْبَةٍ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تَسْلُبُ الْأَمَانَ وَالِاطْمِئْنَانَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَرُبَّ عُصْبَةٍ مُفْسِدَةٍ تُعَاقَبُ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْآيَةِ فَتَطْهُرُ الْأَرْضُ مِنْ أَمْثَالِهَا زَمَنًا طَوِيلًا .