وقوله: {وَأَرْسَلْنَاكَ} يا محمَّد {لِلنَّاسِ} ؛ أي: إلى الناس كافة حالة كونك {رَسُولًا} ؛ أي: مرسلًا إليهم بشريعتنا، بيان لجلالة منصبه ومكانته عند الله تعالى، بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل؛ أي: ليس لك إلا الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت، وليس لك دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات؛ لأنك لم ترسل إلا للتبليغ والهداية، لا للتصرف في نظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها، فما زعمه أولئك الجاهلون من أن السيئة تصيبهم بشؤمك محض خرافة، لا مستند لها من عقل أو نقل، ومخالف لما بينه الله تعالى من وظيفة الرسل.
{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} ؛ أي: وكفى الله سبحانه وتعالى شهيدًا على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله تعالى، أو كفى الله شهيدًا على أنك أرسلت للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، لا مسيطرًا ولا جبارًا، ولا مغيرًا لنظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها، {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} فلا ينبغي لأحد من الناس، عربهم وعجمهم أن يخرج عن طاعتك واتباعك.
80 - {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ} محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، ويوافقه فيما أمر به، ونهى عنه {فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} سبحانه وتعالى، وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو مبلغ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلغ عنه، إذ قد جرت سنته سبحانه وتعالى أن لا يأمر الناس، ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم، يفهمون عنهم ما يوحيه تعالى إليهم ليبلغوه عنه.