الْمَوْتِ ، وَالرَّغْبَةُ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ، وَكُلُّ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَتَاعِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ ، فَإِنَّ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى لِأَنَّ مَتَاعَهَا كَثِيرٌ وَبَاقٍ لَا نَفَادَ لَهُ وَلَا زَوَالَ ، وَإِنَّمَا يَنَالُهُ مَنِ اتَّقَى الْأَسْبَابَ الَّتِي تُدَنِّسُ النَّفْسَ بِالشِّرْكِ وَبِالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ كَالْجُبْنِ وَالْقُعُودِ عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ، وَالْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ ، وَإِذَا كَانَتِ الْآخِرَةُ خَيْرًا لِلْمُتَّقِينَ ، فَهِيَ شَرٌّ وَوَبَالٌ عَلَى الْمُجْرِمِينَ ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَجْزِيُّونَ هُنَالِكَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْ وَلَا تُنْقَصُونَ مِنَ الْجَزَاءِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَهُ بِأَثَرِ أَعْمَالِكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِقْدَارَ فَتِيلٍ ، وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي شِقِّ نَوَاةِ التَّمْرَةِ مِثْلَ الْخَيْطِ ، أَوْ مَا يُفْتَلُ بِالْأَصَابِعِ مِنَ الْوَسَخِ عَلَى الْجِلْدِ أَوْ مِنَ الْخُيُوطِ ، يُضْرَبُ هَذَا مَثَلًا فِي الْقِلَّةِ وَالْحَقَارَةِ ، وَقِيلَ: لَا تُنْقَصُونَ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ آجَالِكُمْ ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:"يُظْلَمُونَ"عَلَى الْغِيبَةِ لِتَقَدُّمِهَا وَالْبَاقُونَ"تُظْلَمُونَ"بِالْخِطَابِ ، ثُمَّ جَاءَ بِمَا يَذْهَبُ بِأَعْذَارِهِمْ ، وَيَنْفُخُ رُوحَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ فِي الْمُسْتَعِدِّينَ مِنْهُمْ فَقَالَ:
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أَيْ: إِنَّ الْمَوْتَ