وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ وَالضُّعَفَاءُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَلَّفَهُمْ مُخَالَفَةَ عَادَتِهِمْ فِي الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ لِأَجْلِ الثَّأْرِ ، وَلِأَجْلِ الْحَمِيَّةِ وَالْكَسْبِ ، وَأَمَرَهُمْ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ عَنِ الِاعْتِدَاءِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَنَاهِيكَ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ ، حَتَّى خَمَدَتْ مِنْ نُفُوسِ أَكْثَرِهِمْ تِلْكَ الْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ ، وَحَلَّ مَحَلَّهَا أَشْرَفُ الْعَوَاطِفِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَنَّى لَوْ يُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَبَعْضُ السَّابِقِينَ رَأَوْا تَرْكَهُ ذُلًّا وَطَلَبُوا الْإِذْنَ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ النَّاسِ بَلْ ذَلِكَ فَرِيقٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ الصَّادِقِينَ ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ - لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْبَابِ - كَانَ كُرْهًا لِجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (2: 216) ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْعَزْمِ وَالْيَقِينِ أَطَاعُوا وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، فَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ قِتَالِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمًا ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ فَكَانُوا قَدْ أَنِسُوا وَسَكَنُوا إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ وَكَفِّ الْأَيْدِي فَنَالَ مِنْهُمُ