وأما الآية التي تُكره الناس على النفاق - عندهم - فهي قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أَنَّى يؤفكون) (17) .
من المحال أن يفهم من له أدنى حظ من عقل أو تمييز أن في الآية الأولى نهياً، وأن في الآية الثانية إكراهاً ويبدو بكل وضوح أن مثيرى هذه الشبهات في أشد الحاجة إلى من يعلمهم القراءة والكتابة على منهج: وزن وخزن وزرع.
ويبدو بكل وضوح أنهم أعجميو اللسان، لا يجيدون إلا الرطانة والتهتهة؛ لأنهم جهلة باللغة العربية، لغة التنزيل المعجز. ومع هذه المخازى يُنَصَّبُون أنفسهم لنقد القرآن، الذي أعجز الإنس والجن.
لا نهى في الآية الأولى، لأن النهي في لغة التنزيل له أسلوب لغوي معروف، هو دخول"لا"الناهية على الفعل المضارع مثل: لا تفعل كذا.
ويقوم مقامه أسلوب آخر هو: إياك أن تفعل، جامعًا بين التحذير والنهي، ولا إكراه في الآية الثانية. وقد جهل هؤلاء الحقدة أن الإكراه من صفات الأفعال لا من صفات الأقوال أما كان الحرى بهم أن يستحيوا من ارتكاب هذه الحماقات الفاضحة.
إن الآية الأولى: (وبشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) تحمل إنذاراً ووعيداً. أما النهي فلا وجود له فيها والآية الثانية تسجل عن طريق"الخبر"انحراف اليهود والنصارى في العقيدة، وكفرهم بعقيدة التوحيد، وهي الأساس الذي قامت عليه رسالات الله عز وجل.
وليس في هذه الآية نفاق أصلاً، ولكن فيها رمز إلى أن اليهود والنصارى حين نسبوا"الأبنية"لله لم يكونوا على ثقة بما يقولون، ومع هذا فإنهم ظلوا في خداع أنفسهم.
وكيف يكون القرآن قد أكرههم على هذا النفاق"المودرن"وهو في الوقت نفسه يدعو عليهم بالهلاك بقبح إشراكهم بالله: (قاتلهم الله) . انتهى انتهى {شبهات المشككين، لمجموعة من علماء الأزهر الشريف} ...