2 -وقالوا أيضًا: إن بين قوله تعالى: (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) (14) . وقوله تعالى: (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) (15) تناقضا. وشاهد التناقض عندهم أن الله قال في الآية (13) (وقليل من الآخرين (وقال في الآية(40) (وثلة من الآخرين) إذ كيف قال أولاً: (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) ثم قال ثانياً (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين (ولو كان لديهم نية في الإنصاف، ومعرفة الحق ناصعاً ونظروا في المقامين اللذين ورد فيهما هذا الاختلاف لوصلوا إلى الحق من أقصر طريق. ولكنهم يبحثون عن العيوب ولو كلفهم ذلك إلغاء عقولهم.
هذا الاختلاف سببه اختلاف مقام الكلام؛ لأن الله عز وجل قسم الناس في سورة الواقعة، يوم القيامة ثلاثة أقسام. فقال: (وكنتم أزواجاً ثلاثة) :
*السابقون السابقون. *وأصحاب الميمنة. * وأصحاب المشئمة.
ثم بين مصير كل قسم من هذه الأقسام فالسابقون السابقون لهم منزلة:"المقربون في جنات النعيم"
ثم بيَّن أن الذين يتبوأون هذه المنزلة فريقان:
كثيرون من السابقين الأولين، وقليلون من الأجيال المتأخرين
وذلك لأن السابقين الأولين بلغوا درجات عالية من الإيمان وعمل الباقيات الصالحات. ولم يشاركهم من الأجيال المتأخرة عن زمنهم إلا قليل.
أما أصحاب اليمين أو الميمنة فبلاؤهم في الإسلام أدنى من بلاء السابقين الأولين. لذلك كانت درجاتهم في الجنة أدنى من درجات السابقين الأولين ويشاركهم في هذه المنزلة كثير من الأجيال اللاحقة بهم؛ لأن فرصة العمل بما جعلهم أصحاب اليمين، متاحة في كل زمان.
ويمكن أن نمثل للسابقين الأولين بأصحاب رسول الله (ولأصحاب اليمين) بالتابعين، الذين أدركوا الصحابة ولم يدركوا صاحب الرسالة. وإذا صح هذا التمثيل، ولا أظنه إلا صحيحاً، صح أن نقول:
إن قليلاً منا، بل وقليل جداً، من يسير في حياته سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثيراً منا من يمكن أن يسير سيرة التابعين رضي الله عنهم.
وعلى هذا فلا تناقض أبداً بين الآيتين:
(ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) .
و (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين) .
3 -وقالوا أيضًا: إن في القرآن آية تنهى عن النفاق، وآية أخرى تُكره الناس على النفاق أما الآية التي تنهى عن النفاق - عندهم - فهي قوله تعالى (: وبشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليما) (16) .