والثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله - سبحانه وتعالى -: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ، وكقوله - تعالى -: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) قد ذكرناه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)
قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ قال اللَّه - تبارك وتعالى -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .
ويحتمل: أن يكون جوابًا لما سبق من القول قولهم: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل أو لم يقاتل؛ كقوله - تعالى -: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ...) .
ويحتمل: أن يكون قوله - تعالى -: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) : إذا كان الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .
قال الفراء: الْمُشَيَّد والمَشِيد واحد، غير أن الْمُشَيَّد - بالتشديد - فيما يكثر الفعل، والمَشِيد فيما لا يكثر الفعل.
وقيل: الْمُشَيَّد: هو المجصَّص، والشيد: هو الجِصّ.