ولذلك يكون مجيء الرسول ضرورياً وبعد ذلك يؤيده سبحانه بمعجزة تثبت صدقه ، وما دام قد أرسله بالمنهج الذي هو: افعل ولا تفعل ، فهذا يعني أن تطيع هذا الرسول ، ويقول ربنا في آية أخرى:
{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] .
أي ليست الطاعة ذاتية له ، إنما الطاعة صادرة من الله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز عن سائر الرسل ؛ لأن معجزته التي تؤيد صدقة في بلاغة عن الله هي عين كتاب منهجه في الأصول ، وكل الرسل كانت على غير ذلك. كان الرسول يأتي بمعجزة ويأتي بكتاب منهج ، العصا واليد البيضاء كانت لموسى هذه معجزته ؛ ولكن منهجه في"التوراة"، إذن فالمعجزة منفصلة عن المنهج.
سيدنا عيسى معجزته - مثلاً -: أنَّه يبرئ الأكمة والأبرص ، لكن كتاب منهجه"الإنجيل"، إلا سيدنا رسول الله فإن معجزته وهي القرآن هي عين منهجه ؛ لأن الله أراد للدين الخاتم ألا تنفصل فيه المعجزة من المنهج.
إن معجزات الرسل السابقين على رسول الله من رآها يؤمن بها ، والذي لم يرها يسمع خبراً عنها ، وإن كان واثقاً ممن أخبره يصدقه ، وإن لم يكن واثقا - لأنها ليست أمامه - فلا يصدقه ، ولولا أن الله أخبرنا بهذه المعجزات في القرآن لكان من الممكن أن نقف فيها.
أما معجزته صلى الله عليه وسلم فباقية بقاء منهجه ، ويستطيع كل مسلم أن يقول في آخر عمر الدنيا: محمد رسول الله وتلك معجزته ، أما غيره من الرسل فلا يأتي أحد ويقول: فلان رسول الله وتلك معجزته ، لأنها حدثت وانتهت ، أما القرآن فهو باق بقاء الرسالة والكون.