وأمر الرسالة ضروري بالنسبة للبشر ؛ لأن الإنسان إذا ما استقرى وتتبع الوجود كله بفطرته وبعقله السليم من غير أن يجيء له رسول ، فإنه يهتدي بفطرته إلى أن ذلك الكون لا يمكن أن يكون إلا عن مُكَوِّن له قدرة تناسب هذه الصفة المحكمة البديعة. ولا بد أن يكون قيوماً لأنه يمدنا دائماً بالأشياء ، لكن أنعرف بالعقل ما تريد هذه القدرة ؟ نحن ننتهي فقط إلى أن وراء الكون قوة ، هذه القوة لها من القدرة والحكمة والعلم والإرادة وصفات الكمال ما يجعلها تخلق هذا الكون العجيب على تلك الصورة البديعة ذات الهندسة الدقيقة ، وهذا الكون له غاية. أيمكن - إذن - للعقل أن يضع اسماً لهذه القوة ؟ فكونها قوة يستلزم أن يكون لها قدرة وحكمة ، لكنا لا نعرف اسمها ، فكان ولا بد أن يجيء رسول ، هذا الرسول يعطي للناس جواب ما شغلهم وهو: ما القوة التي خلقت هذا الكون وجعلته بهذه الصنعة العجيبة.
ويقف العقل هنا وقفة ، فعندما يأتي الرسول ويقول: أنا أدلكم على هذه القوة اسماً ومطلوباً ، كان يجب على الخلق أن يرهفوا آذانهم له ؛ لأنه سيحل لهم ذلك اللغز الذي رأوه بأنفسهم وأوقعهم في الحيرة - المؤمن منهم والكافر يؤمن بهذا - لأنه يجد نفسه في كون تخدمه فيه أجناس أقوى منه ، ولا تتخلف عن خدمته أبداً ، وأجناس لا تدخل تحت طاقته ولا تحت قدرته وتصنع له أشياء لا يفهم عقله كيف تعمل ، فكان الواجب أن يؤمن.