فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 109480 من 466147

أن ينسب شيئًا من ذلك للنبي ولا لغيره فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ,

ولم يقهره على إتيان ما كان سببًا في الانتقام منه.

فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك (يا محمد) على ما ينالون من

خير فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله

وفي التزامها سعادتهم , ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على

أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله فعند ذلك يعلمون أن الله قد

انتقم منهم للتقصير أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته , لأن

الكل من عنده , وإنما ينعم على من أحسن الاختيار , ويسلب نعمته عمن أساءه.

وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم , وأن عصيانه من

مجالب النقم , وطاعة الله إنما تكون باتباع سننه وصرف ما وهب من الوسائل فيما

وهب لأجله.

ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب، فإنك لو كنت فقيرًا أعطاك

والدك مثلاً رأس مال فاشتغلت بتنميته والاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد

في الإنفاق , وصرت بذلك غنيًّا فإنه يحق لك أن تقول: إن غناك إنما كان من ذلك

الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى.

أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك

منك فاسترد ما بقي منه , وحرمك نعمة التمتع به؛ فلا ريب أن يقال: إن سبب

ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد

وهو والدك , غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد ,

وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يجب لأن تحويل الوسائل عن

الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها إنما ينسب إلى من حولها

وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.

وهناك للآية معنى أدق يشعر به ذو وجدان أرق مما يجده الغافلون من سائر

الخلق , وهو أن ما وجدتَ من فرح ومسرة وما تمتعتَ به من لذة حسية أو عقلية

فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك وما خلقت إلا لتكون سعيدًا بما وهبك،

أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك , ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت