في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك، فالأمر على خلاف
ما يزعمون كذلك , فإن الله سبحانه وتعالى قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في
توفير أسباب سعادتنا , والبعد عن مساقط الشقاء , فإذا نحن استعملنا تلك المواهب
فيما وهبت لأجله , وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير وذلك
إنما يكون بجودة الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه , وفهم شرائع الله حق الفهم
والتزام ما حدده فيها؛ فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة , ويجنبنا الشقاء
والتعاسة , وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله تعالى ,
فما أصابك من حسنة فمن الله؛ لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها
الحسنات , بل واستعمالك لتك القوى إنما هو من الله.
وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا , وفرطنا في النظر في شئوننا , وأهملنا
العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه , وغفلنا عن فهمه فاتبعنا الهوى
في أفعالنا , وجلبنا بذلك الشر على أنفسنا , كان ما أصابنا من ذلك صادرًا عن سوء
اختيارنا , وإن كان الله تعالى هو الذي يسوقه إلينا جزاءً على ما فرطنا , ولا يجوز
لنا أن ننسب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه.
وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظرنا إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع
ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده ولا يجوز أن يقال: إن سواه يقدر
على ذلك , ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلامًا , لأن نسبة الخير إلى الله
ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص بهذا المعنى مما لا يكاد يعقل , فإن الذي
يأتي بالخير ويقدر عليه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه , فالتفريق ضرب من
الخبل في العقل.
وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا
سعداء , ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من
فضل الله لأنه أحسن استعمال الآلات التي منَّ الله عليه بها فعليه أن يحمد الله
ويشكره على ما آتاه , ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا
نفسه , فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب , وليس بسائغ له