والمعنى: انظر أيها المخاطب إلى عجيب أمر هؤلاء الذين يزعمون الإيمان بك وبمن قبلك من الرسل، ويأتون بما ينافي الإيمان، إذ الإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضي العمل بما شرعه الله تعالى على ألسنة أولئك الرسل، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدعيه، فكيف إذا عمل بضد ما شرعه الله، فهؤلاء المنافقون إذا هربوا من التحاكم إليك، وقبلوا التحاكم إلى مصدر الطغيان والضلال، من أولئك الكهنة والمشعوذين، سواء أكان أبا برزة الأسلمي أم كعب بن الأشرف .. فحالهم هذا دليل على أن الإيمان ليس له أثر في نفوسهم، بل هي كلمات يقولونها بأفواههم، لا تعبر عما تلجلج في صدورهم، وكيف يزعمون بالإيمان بك، وكتابك المنزل عليك يأمرهم بالكفر بالجبت والطاغوت في آيات كثيرة كما مرت، وهم يتحاكمون إليه؟ فألسنتهم تدعي الإيمان باللهِ وبما أنزله على رسله، وأفعالهم تدل على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه.
ويدخل في هؤلاء كل من يتحاكم إلى الدجالين، كالعرافين وأصحاب المندل والرمل من أولياء الشياطين المخرفين الضالين المضلين.
وفي الآية إيماء إلى أن من رد شيئًا من أوامر الله أو أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. فهو خارج من الإِسلام، سواء رده من جهة الشك، أو من جهة التمرد والعناد. وقرأ الجمهور: {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ} مبنيًّا للمفعول. وقرئ مبنيًّا للفاعل فيهما، وقرأ عباس بن الفضل {أنْ يَكْفُرُوا بِهِا} بهاء التأنيث على أن الطاغوت جمع، كقوله تعالى: {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ} وقوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ} عطف على يريدون، داخل في حكم التعجيب؛ أي: ويريد الشيطان {أَنْ يُضِلَّهُمْ} ويبعدهم عن طريق الحق والهدى {ضَلَالًا بَعِيدًا} ؛ أي: إضلالًا بالغًا النهاية، وأن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فهم لشدة بعدهم عن الحق لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.