ونجد القوانين التي سنّها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين أثينة وإسبَرطة، وأعلى القوانين هي الشرائع الألهية لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعةُ الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالّة، فإنّها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنّها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصّة، أو بلد خاصّ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدوّنون بيان الحقوق حفظاً للعدل بقدر الإمكان وخاصّة الشرائع الإلهية، قال تعالى:
{لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتابَ والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] أي العدل.
فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها.
وإنّما قيّد الأمر بالعدل بحالة التصدّي للحكم بين الناس، وأُطلق الأمر بردّ الأمانات إلى أهلها عن التقييد: لأنّ كلّ أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقّه كما تقدّم، بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كلّ أحد أهلاً لتولّي ذلك.
فتلك نكتة قوله: {وإذا حكمتم بين الناس} . انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 162 - 164}