والكرامة، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل، فلم تصل بهم نفوسهم إلى مراتب الفوز والفلاح.
وقيل: الضمير في {يظلمون} راجع إلى {من} في: {مَنْ يَشَاءُ} باعتبار معناها، والتقدير: يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلًا، ولكن لا يساعده مقام الوعيد.
وفي الآية موضعان من العبرة:
الأول: أن الله يجزى عامل الخير بعمله ولو كان مشركًا؛ لأن لعمله أثرًا في نفسه يكون مناط الجزاء، فيخفف عذابه عن عذاب غيره، كما ورد في الأحاديث إن بعض المشركين يخفف عنهم العذاب بعمل لهم، فحاتم الطائي بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصره إياه، وأبو لهب لعتقه جاريته ثويبة حين بشرته بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - .
الثاني: أن يحذر المسلمون الغررو بدينهم، كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله، وأن يبتعدوا عن تزكية أنفسهم بالقول، واحتقار من عداهم من المشركين، وأن يعلموا أن الله لا يحابي في نظم الخليقة أحدًا، لا مسلمًا ولا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ألا ترى أن خاتم النبيين قد شج رأسه، وكسرت سنه، وردي في حفرة، من جراء تقصير عسكره فيما يجب من اتباع أمر القائد، وعدم مخالفته، وأن يهتدوا بكتاب الله وبسنته في الأمم، وأن يتركوا وساوس الدجالين المخرفين، الذين يصرفونهم عن الاهتداء بهدي كتابهم، ويشغلونهم بما لم ينزل الله به عليهم سلطانًا، فإنه ما زال ملكهم وما ذهب عزهم .. إلا بتركهم لهدي دينهم، واتباعهم لأولئك الدجالين المخرفين، الذين جعلوا ما ليس من الدين دينًا لهم من العقائد الزائغة والمذاهب الفاسدة والطرائق المخترعة، كما هو كثير في بعض شعوب المسلمين، الذين أذلهم الاستئمار، وشتتهم الكفار؛ لتهاونهم في دينهم، وتساهلهم في عبادة ربهم.