وتارة تكون بالقول بادعاء الكمال والزكاة، وقد اتفق العقلاء على استهجان تزكية المرء نفسه بالقول ولو حقًّا، ومصدر هذه التزكية الجهل والغرور، ومن آثار هذه السيئة الاستكبار عن قبول الحق، والانتفاع بالنصح، وقد رد الله سبحانه وتعالى عليهم دعواهم الزكاة والطهارة بقوله: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} إضراب عن محذوف تقديره: لا عبرة بتزكيتهم أنفسهم، بأن يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وبأنهم لا يعذبون في النار؛ لأنهم شعب الله المختار، وبتفاخرهم بنسبهم ودينهم، {بَلِ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {يُزَكِّي} ويطهر من الذنوب والرذائل من يشاء تطهيره من عباده، من أيِّ شعب كان، ومن أيِّ قبيلة كانت، فيهديهم إلى صحيح العقائد، وفاضل الآداب، وصالح الأعمال، {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} معطوف على محذوف، تقديره: فهؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم ادعاءً، ولا يظلمون وينقصون شيئًا من الجزاء على أعمالهم السيئة؛ أي: لا يظلمون في ذلك العقاب فتيلًا؛ أي: أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب به المثل في القلة والحقارة، والفتيل في الأصل: الشيء المفتول، وسمي ما في شق النواة بذلك لكونه على هيأته، وقيل: الفتيل: ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره، ويضرب به المثل في الشيء الحقير الذي لا قيمة له، وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي: الفتيل المذكور، والنقير وهو: النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو: القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة مذكورة في القرآن، والرابع: اليعروف وهو: ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما. اهـ."سمين"فخذلانهم في الدنيا بالعبودية لغيرهم، وفي الآخرة بالعذاب والحرمان، من النعيم المقيم والثواب الجسيم، وما كان ذلك بظلم من الله سبحانه وتعالى لهم، بل كان بنقصان درجات أعمالهم وعجزها عن الصعود بأرواحهم إلى مستوى الرفعة