وعنه - رضي الله عنهما - أن رسول الله قال:"إن من الكبائر شتم الرجل والديه"، قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال:"نعم! يسب الرجل أبا الرجل أو أمه، فيسب أباه أو أمه"، وفي رواية:"من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"وذكر الحديث، متفق عليه.
32 - {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ؛ أي: لا تغتبطوا أيها المؤمنون كون ما فضل الله وخص به بعضكم، ورفعه به على بعض آخر من الأمور الدنيوية أو الدينية، كالجاه والمال والعلم والطاعة لأنفسكم، ولا تنافسوا فيه؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قُسم له، ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثلما لغيره، وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه.
والتمني: هو التعلق بحصول أمر في المستقبل عكس التلهف؛ لأنه التعلق بحصول أمر في الماضي، فإن تعلق بانتقال ما لغيره له، أو لغيره مع زواله عنه، فهو حسد مذموم، وهو المعني بقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وفي ذلك قال الإِمام أحمد بن حنبل:
ألاَ قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِيْ حَاسِدَا ... أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَأتَ الأدَبْ
أَسَأتَ عَلَى اللهِ في فِعْلِهِ ... كَأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ
فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَصَّنِي ... وَسَدَّ عَلَيْكَ طَرِيْقَ الطَّلَبْ
وإن تعلق بمثل ما لغيره مع بقاء نعمته، فإن كان تقوى أو صلاحًا، أو إنفاق مال في الخير .. فهو مندوب، وهو المعني بقوله عليه الصلاة والسلام:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها الناس"وأما إن تمنى المال لمجرد الغنى .. فهو جائز.