فَإِنِ اعْتَلَّ مُعْتَلٌّ مِنْكُمْ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ , قِيلَ لَهُ: إِنَّ سَبَايَا أَوْطَاسٍ لَمْ يُوطَأْنَ بِالْمِلْكِ وَالسِّبَاءِ دُونَ الْإِسْلَامِ , وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ كُنَّ مُشْرِكَاتٍ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ , وَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِأَنَّ نِسَاءَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ لَا يَحْلِلْنَ بِالْمِلْكِ دُونَ الْإِسْلَامِ , وَإِنَّهُنَّ إِذَا أَسْلَمْنَ فَرَّقَ الْإِسْلَامُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْأَزْوَاجِ , سَبَايَا كُنَّ أَوْ مُهَاجِرَاتٍ , غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا كُنَّ سَبَايَا حَلَلْنَ إِذَا هُنَّ أَسْلَمْنَ بِالِاسْتِبْرَاءِ. فَلَا حُجَّةَ لِمُحْتَجٍّ فِي أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ اللَّاتِي عَنَاهُنَّ بِقَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنَ السَبَايَا دُونَ غَيْرِهِنَّ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ , لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ نَزَلَ , فَلَمْ يَنْزِلْ فِي إِبَاحَةِ وَطْئِهِنَّ بِالسِّبَاءِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا , مَعَ أَنَّ الْآيَةَ تَنْزِلُ فِي مَعْنًى فَتَعُمُّ مَا نَزَلَتْ بِهِ فِيهِ وَغَيْرَهُ , فَيَلْزَمُ حُكْمُهَا جَمِيعَ مَا عَمَّتْهُ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنَ الْقَوْلِ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي كِتَابِنَا: كِتَابُ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: كِتَابًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. فأَخْرَجَ الْكِتَابَ مَصْدَرًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ , وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بِمَعْنَى: كَتَبَ اللَّهُ تَحْرِيمَ مَا حَرُمَ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْلِيلَ مَا حُلِّلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ كِتَابًا.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْهَا فَقَالَ: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} قَالَ: «هُوَ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْأَرْبَعَ أَنْ لَا تَزِيدُوا»
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ قَوْلَهُ: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} مَنْصُوبٌ عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ , بِمَعْنَى: عَلَيْكُمْ كِتَابَ اللَّهِ , الْزَمُوا كِتَابَ اللَّهِ.