وقال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت. وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها. فأنزل الله هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. الآية.
وقيل: كأن يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لما لها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية.
ثم قال القرطبي: والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .. .
وهناك روايات أخرى في سبب نزول هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وهي قريبة في معناها، مما أورده القرطبي، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبي.
وكلمة كَرْهاً قرأها حمزة والكسائي بضم الكاف. وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائي:
وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإكراه. وبالضم بمعنى المشقة. فما أكره عليه الإنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم - .
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذي جاءهم من عند الله، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث وهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتها.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: «كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا، ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك. فقيل: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً أي: أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات» .
وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ليعم الخطاب جميع الأمة، فيأخذ كل مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام أم من غيرهم.